الجسد الواحد


إن الرابطة التي نصير بها كالجسد الواحد هي رابطة الإسلام ، و بدون ذلك نكون كمثل حالة الجاهلية أو أشر، و في الحديث : " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " . (متفق عليه). و رابطة الدين تتلاشى أمامها رابطة النسب و القومية و الوطنية و الحزبية و سائر صور التعصب على الباطل ، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران: من الآية103).

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا
وروى الأمام البخاري في مسنده قوله : ..‏حدثنا ‏ ‏أبو نعيم ‏حدثنا ‏ ‏زكريا ‏عن ‏عامر ‏قال سمعته يقول سمعت ‏ ‏النعمان بن بشير ‏ ‏يقول ‏‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏( ‏ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى ‏)

‏قوله : ( ترى المؤمنين في تراحمهم ) ‏

‏قال ابن أبي جمرة المراد من يكون إيمانه كاملا . ‏

‏قوله : ( وتوادهم ) ‏

‏بتشديد الدال , والأصل التوادد فأدغم , والتوادد تفاعل من المودة , والود والوداد بمعنى وهو تقرب شخص من آخر بما يحب . ‏

‏قوله : ( وتعاطفهم ) ‏

‏قال ابن أبي جمرة : الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف , فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر , وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب المحبة كالتزاور والتهادي , وأما التعاطف فالمراد به إعانة

بعضهم بعضا كما يعطف الثوب عليه ليقويه ا هـ ملخصا .

ووقع في رواية الأعمش عن الشعبي وخيثمة فرقهما عن النعمان عند مسلم " المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " وفي رواية خيثمة اشتكى وإن اشتكى رأسه كله . ‏

‏قوله : ( كمثل الجسد )‏أي بالنسبة إلى جميع أعضائه , ووجه التشبيه فيه التوافق في التعب والراحة . ‏

‏قوله : ( تداعى ) ‏أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم , ومنه قولهم

تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت .

‏قوله : ( بالسهر والحمى ) ‏أما السهر فلأن الألم يمنع النوم , وأما الحمى فلأن فقد النوم يثيرها .‏وقد عرف أهل الحذق الحمى بأنها حرارة غريزية تشتعل في القلب فتشب منه في جميع البدن فتشتعل اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية .قال القاضي عياض : فتشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية , وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضا .

وقال ابن أبي جمرة : شبه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء ,لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف , فإذا أخل المرء بشيء من التكاليف شأن ذلك الإخلال الأصل , وكذلك الجسد أصل كالشجرة وأعضاؤه كالأغصان , فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب

وعن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا - و شبك أصابعه) أخرجه البخاري و قد تضمن هذا النص صفات بليغة في وحده المسلم مع إخوانه فالمؤمنون كالبنيان الواحد المجتمع، و لما كان البنيان قد يكون متداعيا أو متساقطا،جاء الوصف الآخر بان ذلك البنيان يشد بعضه بعضا , فيكون كل مسلم يمثل لبنة في البيت الإسلامي الكبير.ولم يكتف الإسلام بان تكون وحدة المسلم مع أخيه في حال المشاهدة، بل تعدى ذلك إلى حال الغيب و البعد , فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خارج المدينة و معه جماعة من أصحابه فقال لهم :

( إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا أنفقتم من نفقة و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فيه و هم بالمدينة حبسهم العذر ) أخرجه البخاري عن انس رضي الله تعالى عنه . و هكذا ينبغي أن تكون حال المسلم مع إخوانه في السراء و الضراء و في الغيب و الشهادة، يألم لألمهم و يؤمل لأملهم، يفرح لفرحهم و يحزن لحزنهم . فسفينة الإسلام واحدة تتأثر سلبا و إيجابا بحسب تصرفات أهله